أحمد أمين
12
كتاب الأخلاق
إن شاء ترك لتحسين صحته ، وإن شاء تعاطى ، وليس في استطاعة الطبيب منعه ؛ كذلك علم الأخلاق ليس في مقدوره أن يجعل كل إنسان صالحا ، ولكن يفتح عينيه ليريه الخير والشر وآثارهما ، فهو لا يفيدنا ما لم تكن لنا إرادة تنفذ أوامره وتجنبنا نواهيه . نعم يمكن من لم يدرس الأخلاق أن يحكم على الأشياء بأنها خير أو شر ، ويمكنه أن يكون صالحا حسن الخلق ، ولكن مثل دارس الأخلاق ومن لم يدرس كتاجر الصوف الخبير به ومن ليس كذلك إذا أراد كلاهما أن يشتري نوعا من الصوف ، كل يقع نظره على ما يقع عليه نظر الآخر ، وكل يلمس ويمتحن ولكن ممارسة الأول وكثرة تجاربه تجعله أصدق حكما وأحسن تقويما . . . كل علم يمنح دارسه عينا ناقدة في دائرة الأشياء التي يبحث عنها العلم ؛ وكذلك الشأن في علم الأخلاق ، فدارسه أقدر على نقد الأعمال التي تعرض عليها وتقويمها تقويما مستقلا ، غير خاضع في أحكامه إلى إلف الناس وتقاليدهم ؛ بل هو يستمد آراءه من نظريات العلم وقواعده ومقاييسه . وشيء آخر ، وهو أنه ليس غرض علم الأخلاق مقصورا على معرفة النظريات والقواعد ، بل من أغراضه أيضا التأثير في إرادتنا وهدايتها ، وحملنا على أن نشكل حياتنا ونصبغ أعمالنا حتى نحقق المثل الأعلى للحياة ، ونحصل خيرنا وكمالنا ومنفعة الناس وخيرهم ، فهو يشجع الإرادة على عمل الخير ، ولكن ليس ينجح في ذلك دائما ، فهو إنما يؤثر أثره إذا طاوعته طبيعة الإنسان وفطرته . قال أرسطو : « فيما يتعلق بالفضيلة لا يكفي أن يعلم ما هي ، بل يلزم زيادة على ذلك رياضتنا على حيازتها واستعمالها أو إيجاد وسيلة أخرى لتصيرنا فضلاء وأخيارا ، ولو كانت الخطب والكتب قادرة وحدها على أن تجعلنا أخيارا لاستحقت - كما كان يقول تيوغنيس - أن يطلبها كل الناس ، وأن تشترى بأغلى الأثمان ، ولكن - لسوء الحظ - كل ما تستطيع المبادئ في هذا الصدد هو أن تشد عزم بعض فتيان كرام على الثبات في الخير ، وتجعل القلب الشريف بالفطرة صديقا للفضيلة ، وفيا بعهدها » « 1 » .
--> ( 1 ) كتاب « علم الأخلاق لأرسطو ، ترجمة أحمد لطفي السيد ، صفحة 366 جزء 2 .